ملا محمد مهدي النراقي

343

انيس المجتهدين في علم الأصول

ولو سلّم ذلك ، فلا نسلّم لزوم تواتر القدر المشترك ؛ لأنّه إنّما يلزم ذلك لو كان دلالة تلك الروايات على القدر المشترك بطريق القطع ، وهو ممنوع ؛ لأنّ القدر المسلّم ظهور دلالتها عليه ، فلا يلزم القطع بمعناها ، وذلك كالتواتر اللفظي الظاهر المعنى ؛ فإنّه وإن كان قطعيّ السند لكن لظنّيّة دلالته لا يقطع بمدلوله . والجواب عن الأوّل : أنّ بعض هذه الأخبار وردت من طريق العامّة ، وبعضها من طريق الخاصّة ، ولا يمكن اتّحاد رواتهما حينئذ في طبقة من الطبقات . وما ورد في كلّ من الطريقين رواته مختلفة في جميع الطبقات إلّا فيما شذّ ، كما لا يخفى على المتتبّع . و [ الجواب ] عن الثاني : لا نسلّم ظنّيّة دلالة كلّ واحد منها ، ومع التسليم نقول : يحصل القطع بالقدر المشترك من المجموع ، وهو كاف للمطلوب . ثمّ لو قطع النظر عن ذلك كلّه ، وقلنا : إنّها أخبار آحاد ، فما يخرجها عن الحجّيّة وإثبات أصل بها ، سيّما مع تلقّي الامّة لها بالقبول ؟ وأورد على دلالتها بأنّه إن أريد بالامّة جميع امّته ممّن كان ويكون إلى يوم القيامة ، لم يوجد إجماع ، وإن أريد به البعض ، دخل في حيّز المجمل فلا يفيد . وجوابه : أنّ المراد من الامّة أهل كلّ عصر ، كما هو المتبادر . ويدلّ عليه أخبار أخر ، كقوله عليه السّلام : « لا تزال طائفة من امّتي متظاهرين على الحقّ » « 1 » . وقوله عليه السّلام : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » « 2 » . وقوله عليه السّلام : « من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه » « 3 » . ثمّ تسليم دلالة هذه الأخبار على حجّيّة الإجماع لا ينافي ما قلنا به ؛ لأنّا موافقون للعامّة في حجّيّته ، إلّا أنّهم يقولون : حجّيّته لأجل نفس اتّفاق جميع المجتهدين ، فلو خالف واحد منهم خرج عن الحجّيّة على ما يقتضيه قواعدهم ، إلّا أنّهم اتّفقوا على أنّه يقدح فيه

--> ( 1 ) . كنز العمّال 12 : 165 ، ح 34501 ، و 284 ، ح 35055 ، و 14 : 46 ، ح 37893 . وفيها : « ظاهرين » بدل « متظاهرين » . ( 2 ) . الدرر المنتثرة : 240 ، ح 379 . ( 3 ) . كنز العمّال 1 : 175 ، ح 886 ، و 278 ، ح 1371 .